فصل: تفسير الآيات (30- 33):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الدر المنثور في التفسير بالمأثور (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (28):

{أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28)}
أخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض} قال: {الذين آمنوا} علي، وحمزة، وعبيدة بن الحارث {والمفسدين في الأرض} عتبة، وشيبة، والوليد، وهم تبارزوا يوم بدر.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات} إلى قوله: {كالفجار} قال: لعمري ما استووا، لقد تفرق القوم في الدنيا عند الموت.
أما قوله تعالى: {أم نجعل المتقين كالفجار}.
أخرج أبو يعلى عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: «كما أنه لا يجتنى من الشوك العنب كذلك لا تنال الفجار منازل الأبرار».

.تفسير الآية رقم (29):

{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29)}
أخرج سعيد بن منصور عن الحسين رضي الله عنه في قوله: {ليدبروا آياته} اتباعه بعمله.
وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه {أولوا الألباب} قال: أولوا العقول من الناس.

.تفسير الآيات (30- 33):

{وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33)}
أخرج ابن أبي حاتم عن مكحول قال: لما وهب الله لداود سليمان قال له: يا بني ما أحسن؟ قال: سكينة الله والإِيمان قال: فما أقبح؟ قال: كفر بعد إيمان قال: فما أحلى؟ قال: روح الله بين عباده قال: فما أبرد؟ قال: عفو الله عن الناس، وعفو الناس بعضهم عن بعض قال داود عليه السلام: فأنت نبي.
وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أوحى الله تبارك وتعالى إلى داود عليه السلام. إني سائل ابنك عن سبع كلمات. فإن أخبرك فورِّثه العلمَ والنبوَّة فقال له داود عليه السلام: إن الله أوحى إليَّ أن أسألك عن سبع كلمات، فإن أخبرتني وَرَّثْتُكَ العلمَ والنبوَّة قال: سلني عما شئت قال: أخبرني ما أحلى من العسل، وما أبرد من الثلج، وما الين شيئاً من الخز، وما لا يرى أثره في الماء، وما لا يرى أثره في الصفاء، وما لا يرى أثره في السماء، ومن يسمن في الخصب والجدب. قال: أما ما أحلى من العسل فروح الله للمتحابين في الله. واما ما أبرد من الثلج فكلام الله إذا قرع أفئدة أولياء الله. وأما ما الين شيئاً من الخز فحكمة الله تعالى إذا أنشدها أولياء الله بينهم. وأما ما لا يرى أثره في الماء فالفلك تمر فلا يرى أثرها. وأما ما لا يرى أثره في الصفاء فالنملة تمر على الحجر فلا يرى أثرها. وأما ما لا يرى أثره في السماء فالطير يطير ولا يرى أثره في السماء وأما من يسمن في الجدب والخصب فهو المؤمن إذا أعطاه الله شكر، وإذا ابتلاه صبر، فقلبه أجرد أزهر.
قال: انظر إلى ابنك فاسأله عن أربع عشرة كلمة، فإن أخبرك فورثه العلم والنبوّة، فسأله فقال: ما لي من ذي علم فقال داود لسليمان عليه السلام: أخبرني يا بني أين موضع العقل منك؟ قال: الدماغ قال: أين موضع الحياء منك؟ قال: العينان قال: أين موضع الباطل منك؟ قال: الأذنان قال: أين باب الخطايا منك؟ قال: اللسان قال: أين الطريق منك؟ قال: المنخران قال: أين موضع الأدب والبيان منك؟ قال: الكلوتان قال: أين باب الفظاظة والغلظة منك؟ قال: الكبد قال: أين بيت الريح منك؟ قال: الرئة قال: أين باب الفرح منك؟ قال: الطحال قال: أين باب الكسب منك؟ قال: اليدان قال: أين باب النصب منك؟ قال: الرجلان قال: أين باب الشهوة منك؟ قال: الفرج قال: أين باب الذرية منك؟ قال: الصلب قال: أين باب العلم والفهم والحكمة منك؟ قال: القلب. إذا صلح القلب صلح ذلك كله، وإذا فسد القلب فسد ذلك كله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه {ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب} قال: كان مطيعاً لله، كثير الصلاة {إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد} قال: يعني الخيل وصفونها قيامها وبسطها قوائمها {قال إني أحببت حب الخير} أي المال {عن ذكر ربي} عن صلاة العصر {حتى توارت بالحجاب}.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه {الصافنات الجياد} قال: الخيل خيل خلقت على ما شاء.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {الصافنات} قال: صفون الفرس: رفع إحدى يديه حتى يكون على أطراف الحافر. وفي قوله الجياد قال: السراع.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن وقتادة رضي الله عنهما في قوله: {الصافنات الجياد} قال: الخيل إذا صفن قيامها عقرها تطلع أعناقها وسوقها. وفي قوله: {أحببت حب الخير عن ذكر ربي} قال: الخير المال والخيل من ذلك، فقوله شغلته عن الصلاة قال: لا والله لا تشغلني عن عبادة الله تعالى جرها عليك، فكشف عراقيبها، وضرب أعناقها.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عوف رضي الله عنه قال: بلغني أن الخيل التي عقر سليمان عليه السلام كانت خيلاً ذات أجنحة، أخرجت له من البحر، لم تكن لأحد قبله ولا بعده.
وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {حب الخير} قال: المال وفي قوله: {ردوها عليّ} قال: الخيل {فطفق مسحاً} قال: عقراً بالسيف.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن علي رضي الله عنه قال: الصلاة التي فرط فيها سليمان عليه السلام صلاة العصر.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن كعب رضي الله عنه في قوله: {حتى توارت بالحجاب} قال: حجاب من ياقوت أخضر محيط بالخلائق، فمنه اخضرت السماء التي يقال لها السماء الخضراء، واخضر البحر من السماء، فمن ثم يقال: البحر الأخضر.
وأخرج أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أو خيبر، فجئت فكشفت ناحية الستر عن بنات لعب لعائشة فقال: «ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي. ورأى بينهن فرساً لها جناحان من رقاع فقال: ما هذا الذي أرى وسطهن؟ قالت: فرس له جناحان قال: وما هذا الذي عليه؟ فقلت: جناحان قال: فرس له جناحان! قالت: أما سمعت أن لسليمان عليه السلام خيلاً لها أجنحة، فضحك حتى رؤيت نواجذه».
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه في قوله: {إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد} قال: عشرين ألف فرس ذات أجنحة، فعقرها.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: {حتى توارت بالحجاب} قال: {توارت} من وراء قرية خضرة السماء منها.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان سليمان عليه السلام لا يكلم اعظاماً له، فلقد فاتته صلاة العصر، وما استطاع أحد أن يكلمه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {عن ذكر ربي} يقول: من ذكر ربي {فطفق مسحاً} يقول: يمسح اعراف الخبل وعراقيبها.
وأخرج الطبراني في الأوسط والاسماعيلي في معجمه وابن مردويه بسند حسن عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {فطفق مسحاً بالسوق والأعناق} قال: قطع سوقها وأعناقها بالسيف».

.تفسير الآية رقم (34):

{وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34)}
أخرج الفريابي والحكيم الترمذي والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً} قال: هو الشيطان الذي كان على كرسيه يقضي بين الناس أربعين يوماً، وكان لسليمان عليه السلام امرأة يقال لها جرادة، وكان بين بعض أهلها وبين قوم خصومة، فقضى بينهم بالحق إلا أنه ودَّ أن الحق كان لأهلها؛ فأوحى الله تعالى إليه: أنه سيصيبك بلاء، فكان لا يدري يأتيه من السماء أم من الأرض.
وأخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم بسند قوي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أراد سليمان عليه السلام أن يدخل الخلاء، فأعطى الجرادة خاتمه، وكانت جرادة امرأته، وكانت أحب نسائه إليه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي، فأعطته، فلما لبسه دانت له الجن والإِنس والشياطين، فلما خرج سليمان عليه السلام من الخلاء قال لها: هاتي خاتمي. فقالت: قد أعطيته سليمان قال: أنا سليمان قالت: كذبت لست سليمان. فجعل لا يأتي أحداً يقول أنا سليمان إلا كذبه حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة، فلما رأى ذلك عرف أنه من أمر الله عز وجل، وقام الشيطان يحكم بين الناس.
فلما أراد الله تعالى أن يرد على سليمان عليه السلام سلطانه، ألقى في قلوب الناس انكار ذلك الشيطان، فارسلوا إلى نساء سليمان عليه السلام فقالوا لهن: أيكون من سليمان شيء؟ قلن: نعم. إنه يأتينا ونحن حيض، وما كان يأتينا قبل ذلك.
فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له، ظن أن أمره قد انقطع، فكتبوا كتباً فيها سحر ومكر، فدفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أثاروها وقرأوها على الناس قالوا: بهذا كان يظهر سليمان على الناس ويغلبهم، فأكفر الناس سليمان، فلم يزالوا يكفرونه، وبعث ذلك الشيطان بالخاتم، فطرحه في البحر، فتلقته سمكة فأخذته، وكان سليمان عليه السلام يعمل على شط البحر بالأجر، فجاء رجل فاشترى سمكاً فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فدعا سليمان عليه السلام فقال: تحمل لي هذه السمك؟ ثم انطلق إلى منزله، فلما انتهى الرجل إلى باب داره، أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فأخذها سليمان عليه السلام، فشق بطنها فإذا الخاتم في جوفها، فأخذه فلبسه، فلما لبسه دانت له الانس والجن والشياطين، وعاد إلى حاله، وهرب الشيطان حتى لحق بجزيرة من جزائر البحر، فأرسل سليمان عليه السلام في طلبه، وكان شيطاناً مريداً يطلبونه ولا يقدرون عليه، حتى وجدوه يوماً نائماً، فجاؤوا فنقبوا عليه بنياناً من رصاص، فاستيقظ، فوثب، فجعل لا يثبت في مكان من البيت إلا أن دار معه الرصاص، فأخذوه وأوثقوه وجاؤوا به إلى سليمان عليه السلام، فأمر به فنقر له في رخام، ثم أدخل في جوفه، ثم سد بالنحاس، ثم أمر به فطرح في البحر.
فذلك قوله: {ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً} يعني الشيطان كان تسلط عليه.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أربع آيات من كتاب الله لم أدر ما هي حتى سألت عنهن كعب الأحبار رضي الله عنه في قوله: {قوم تبع} [ الدخان: 73] في القرآن، ولم يذكر تبع فقال: إن تبعاً كان ملكاً، وكان قومه كهاناً، وكان في قومه قوم من أهل الكتاب، وكان الكهان يبغون على أهل الكتاب ويقتلون تابعهم فقال أهل الكتاب لتبع: أنهم يكذبون علينا فقال تبع: إن كنتم صادقين فقربوا قرباناً فأيكم كان أفضل أكلت النار قربانه. فقرب أهل الكتاب والكهان، فنزلت نار من السماء، فأكلت قربان أهل الكتاب، فأتبعهم تبع فأسلم. فلهذا ذكر الله قومه في القرآن ولم يذكره قال ابن عباس رضي الله عنه وسألته عن قوله: {وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب} قال: الشيطان أخذ خاتم سليمان عليه السلام الذي فيه ملكه، فقذف به في البحر، فوقع في بطن سمكة، فانطلق سليمان يطوف إذ تصدق عليه بتلك السمكة، فاشتواها فأكلها، فإذا فيها خاتمه، فرجع إليه ملكه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب} قال: صخر الجني. مثل على كرسيه على صورته.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: أمر سليمان عليه السلام ببناء بيت المقدس فقيل له: ابنه ولا يسمع فيه صوت حديد، فطلب ذلك، فلم يقدر عليه، فقيل له إن شيطاناً يقال له صخر شبه المارد، فطلبه وكانت عين في البحر يردها في كل سبعة أيام مرة، فنزح ماءها وجعل فيها خمراً، فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر فقال: إنك لشراب طيب، تصيب من الحليم، وتزيد من الجاهل جهلاً ثم جفل حتى عطش عطشاً شديداً، ثم أتاها، فشربها حتى غلب على عقله، فأوتي بالخاتم، فختم بين كتفيه، فذل وكان ملكه في خاتمه، فأتي به سليمان فقال: أنا قد أمرنا ببناء هذا البيت فقيل لنا: لا تسمعن فيه صوت حديد، فأتى ببيض الهدهد، فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد فدار حولها، فجعل يرى بيضه ولا يقدر عليه، فذهب فجاء بألماس، فوضعها عليه، فقطعها حتى أفضى إلى بيضه، فأخذوا الماس، فجعلوا يقطعون به الحجارة.
وكان سليمان عليه السلام إذا أراد أن يدخل الخلاء أو الحمام لم يدخل بخاتمه. فانطلق يوماً إلى الحمام، وذلك الشيطان صخر معه، فدخل الحمام، وأعطى الشيطان خاتمه، فألقاه في البحر، فالتقمته سمكة، ونزع ملك سليمان عليه السلام منه، وألقى على الشيطان شبه سليمان، فجاء فقعد على كرسيه، وسلط على ملك سليمان كله غير نسائه، فجعل يقضي بينهم أربعين يوماً حتى وجد سليمان عليه السلام خاتمه في بطن السمكة فأقبل، فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم {وألقينا على كرسيه جسداً} قال: هو الشيطان صخر {ثم أناب} قال: تاب ثم أقبل يعني سليمان.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه {وألقينا على كرسيه جسداً} قال: شيطاناً يقال له آصف. فقال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر، فساح سليمان عليه السلام، وذهب ملكه، وقعد آصف على كرسيه، ومنعه الله تعالى نساء سليمان عليه السلام فلم يقربهن ولا يقربنه وأنكرنه، وأنكر الناس أمر سليمان عليه السلام.
وكان سليمان عليه السلام يستطعم فيقول: أتعرفوني أنا سليمان؟ فيكذبوه حتى أعطته امرأة يوماً حوتاً، وطيب بطنه، فوجد خاتمه في بطنه، فرجع إليه ملكه، وفر الشيطان فدخل البحر فاراً.
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولد لسليمان ولد فقال للشيطان: تواريه من الموت؟ قالوا نذهب به إلى المشرق. فقال يصل إليه الموت. قالوا فإلى المغرب. قال يصل إليه. قالوا إلى البحار. قال يصل إليه الموت. قال نضعه بين السماء والأرض، ونزل عليه ملك الموت فقال: إني أمرت بقبض نسمة طلبتها في البحار، وطلبتها في تخوم الأرض؛ فلم أصبها، فبينا أنا صاعد أصبتها، فقبضتها وجاء جسده حتى وقع على كرسي سليمان، فهو قول الله: {ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب}».
وقال ابن سعد رضي الله عنه، أخبرنا الواقدي، حدثنا معشر عن المقبري: أن سليمان بن داود عليه السلام قال: لأطوفن الليلة بمائة امرأة من نسائي، فتأتي كل امرأة منهن بفارس يجاهد في سبيل الله. ولم يستثنِ ولو استثنى لكان، فطاف على مائة امرأة، فلم تحمل امرأة إلا امرأة واحدة، حملت بشق إنسان ولم يكن شيء أحب إلى سليمان من تلك الشقة.
قال وكان أولاده يموتون، فجاء ملك الموت في صورة رجل، فقال له سليمان عليه السلام: إن استطعت أن تؤخر إبني هذا ثمانية أيام إذا جاءه أجله فقال: لا. ولكن أخبرك قبل موته بثلاثة أيام. قال لمن عنده من الجن: أيكم يُخَبِّئ لي إبني هذا؟ قال أحدهم؟ أنا أخبؤه لك في المشرق قال: ممن تخبئوه؟ قال: من ملك الموت. قال يبصره. قال آخر: أنا أخبؤه لك بين قرينين لا يريان. قال سليمان عليه السلام إن كان شيء فهذا.
فلما جاء أجله، نظر ملك الموت في الأرض، فلم يره في مشرقها، ولا في مغربها، ولا شيء من البحار، ورآه بين قرينين، فجاءه، فأخذه، فقبض روحه على كرسي سليمان. فذلك قوله: {ولقد فتنا سليمان} وهو قول الله: {وألقينا على كرسيه جسداً}.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: بينما سليمان بن داود جالساً على شاطئ البحر، وهو يعبث بخاتمه إذ سقط منه في البحر، وكان ملكه في خاتمه، فانطلق وخلف شيطاناً في أهله، فأتى عجوزاً، فأوى إليها، فقالت له العجوز: إن شئت أن تنطلق فتطلب وأكفيك عمل البيت، وإن شئت أن تكفيني عمل البيت وانطلق فالتمس. قال: فانطلق يلتمس، فأتى قوماً يصيدون السمك، فجلس إليهم، فنبذوا سمكات، فانطلق بهن حتى أتى العجوز، فأخذت تصلحه، فشقت بطن سمكة، فإذا فيها الخاتم، فأخذته وقالت لسليمان عليه السلام: ما هذا؟ فأخذه سليمان عليه السلام، فلبسه، فأقبلت إليه الشياطين، والانس، والجن، والطير، والوحش، وهرب الشيطان الذي خلف في أهله، فأتى جزيرة في البحر، فبعث إليه الشياطين فقالوا: لا نقدر عليه أنه يرد عيناً في جزيرة في البحر في سبعة أيام، ولا نقدر عليه حتى يسكر.
قال فصب له في تلك العين خمراً، فأقبل فشرب فسكر، فأروه الخاتم فقال: سمعاً وطاعة، فأوثقه سليمان عليه السلام، ثم بعث به إلى جبل، فذكروا أنه جبل الدخان، فالدخان الذي يرون من نفسه، والماء الذي يخرج من الجبل بوله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن {وألقينا على كرسيه جسداً} قال: هو الشيطان. دخل سليمان عليه السلام الحمام، فوضع خاتمه عند امرأة من أوثق نسائه في نفسه، فأتاها الشيطان، فتمثل لها على صورة سليمان عليه السلام، فأخذ الخاتم منها، فلما خرج سليمان عليه السلام أتاها فقال لها: هاتي الخاتم فقالت: قد دفعته إليك. قال ما فعلت.. ! فهرب سليمان عليه السلام وجلس الشيطان على ملكه، وانطلق سليمان عليه السلام هارباً في الأرض يتتبع ورق الشجر خمسين ليلة، فأنكر بنو إسرائيل أمر الشيطان، فقال بعضهم لبعض: هل تنكرون من أمر ملككم ما ننكر عليه؟ قالوا: نعم. قال أما لقد هلكتم أنتم العامة، وأما قد هلك ملككم، فقالوا: والله ان عندكم من هذا الخبر، نساؤه معكم، فاسألوهن، فإن كن أنكرن ما أنكرنا فقد ابتلينا. فسألوهن، فقلن: أي والله لقد أنكرنا.
فلما انقضت مدته انطلق سليمان عليه السلام حتى أتى ساحل البحر، فوجد صيادين يصيدون السمك، فصادوا سمكاً كثيراً غلبهم بعضه، فألقوه فأتاهم سليمان عليه السلام، فاستطعمهم، فأعطوه تلك الحيتان قال: لا بل أطعموني من هذا، فأبوا فقال: أطعموني فإني سليمان، فوثب إليه بعضهم بالعصا فضربه غضباً لسليمان، فأتى إلى تلك الحيتان التي ألقوا، فأخذ منها حوتين، فانطلق بهما إلى البحر، فغسلهما فشق بطن أحدهما، فإذا فيه الخاتم، فأخذه فجعله في يده، فعاد في ملكه، فجاءه الصيادون يبيعون إليه فقال لهم: لقد كنت استطعمتكم فلم تطعموني، فلم أظلمكم إذا هنتموني، ولم أحمدكم إذا أكرمتموني.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان سليمان عليه السلام إذا دخل الخلاء أعطى خاتمه أحب نسائه إليه، فإذا هو قد خرج وقد وضع له وضوءه فدفع خاتمه إلى امرأته، فلبث ما شاء الله.
وخرج عليها شيطان في صورة سليمان، فدفعت الخاتم إليه، فضاق ذرعاً به، فألقاه في البحر، فالتقمته سمكة، فخرج سليمان عليه السلام على امرأته، فسألها الخاتم فقالت: قد دفعته إليك. فعلم سليمان عليه السلام أنه قد ابتلى، فخرج وترك ملكه، ولزم البحر، فجعل يجوع، فأتى يوماً على صيادين قد صادوا سمكاً بالأمس فنبذوه، وصادوا يومهم سمكاً فهو بين أيديهم، فقام عليهم سليمان عليه السلام فقال: أطعموني بارك الله فيكم، فإني ابن سبيل، فلم يلتفتوا إليه، ثم عاد فقال لهم: مثل ذلك، فرفع رجل منهم رأسه إليه فقال: ائت ذلك السمك فخذ منه سمكة، فأتاه سليمان عليه السلام فأخذ منه أدنى سمكة، فلما أخذها إذا فيها ريح، فأتى بها البحر، فغسلها وشق بطنها فإذا هو بخاتمه، فحمد الله وأخذه فتختم به، ونطق كل شيء كان حوله من جنوده، وفزع الصيادون لذلك، فقاموا إليه، وحيل بينهم ولم يصلوا إليه، ورد الله إليه ملكه.
وأخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي من طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن سليمان بن داود عليه السلام احتجب عن الناس ثلاثة أيام، فأوحى الله إليه أن يا سليمان احتجبت عن الناس ثلاثة أيام، فلم تنظر في أمور العباد، ولم تنصف مظلوماً من ظالم.
وكان ملكه في خاتمه، وكان إذا دخل الحمام وضع خاتمه تحت فراشه. فجاء الشيطان فأخذه، فأقبل الناس على الشيطان فقال سليمان: يا أيها الناس أنا سليمان نبي الله، فدفعوه، فساح أربعين يوماً، فأتى أهل سفينة، فأعطوه حوتاً فشقها، فإذا هو بالخاتم فيها، فتختم به، ثم جاء فأخذ بناصيته فقال عند ذلك {رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي}.
قال وكان أول من أنكره نساؤه. فقال بعضهم لبعض: أتنكرون منه شيئاً؟ قلن: نعم. وكان يأتيهن وهن حيض فقال علي: فذكرت ذلك للحسن فقال: ما كان الله يسلطه على نسائه.
وأخرج عبد بن حميد عن عبد الرحمن بن رافع رضي الله عنه قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حدث عن فتنة سليمان عليه السلام قال: إنه كان في قومه رجل كعمر بن الخطاب في أمتي، فلما أنكر حال الجان الذي كان مكانه أرسل إلى أفاضل نسائه، فقال: هل تنكرن من صاحبكن شيئاً؟ قلن: نعم. كان لا يأتينا حيضاً، وهذا يأتينا حيضاً، فاشتمل على سيفه ليقتله، فرد الله على سليمان ملكه، فأقبل فوجده في مكانه، فأخبره بما يريد».
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما {ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً} قال: الجسد الشيطان الذي كان دفع سليمان عليه السلام إليه خاتمه، فقذفه في البحر، وكان ملك سليمان عليه السلام في خاتمه، وكان اسم الجني صخراً.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه {وألقينا على كرسيه جسداً} قال: الجسد الشيطان الذي كان دفع إليه سليمان خاتمه شيطاناً يقال له آصف.
وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه في قوله: {وألقينا على كرسيه جسداً} قال: الشيطان حين جلس على كرسيه أربعين يوماً. كان لسليمان عليه السلام مائة امرأة، وكانت امرأة منهن يقال لها جرادة، وهي آثر نسائه عنده وآمنهن، وكان إذا أجنب أو أتى حاجة نزع خاتمه، ولم يأتمن عليه أحداً من الناس غيرها، فجاءته يوماً من الأيام فقالت: إن أخي بينه وبين فلان خصومة، وأنا أحب أن تقضي له إذا جاءك فقال: نعم. ولم يفعل، وابتلى فأعطاها خاتمه، ودخل المخرج، فخرج الشيطان في صورته فقال: هات الخاتم. فأعطته فجاء حتى جلس على مجلس سليمان، وخرج سليمان عليه السلام بعد، فسألها أن تعطيه خاتمه، فقالت: ألم تأخذه قبل؟ قال: لا.
قال وخرج مكانه تائهاً، ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوماً، فأنكر الناس أحكامه، فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم، فجاؤوا حتى دخلوا على نسائه فقالوا: إنا قد أنكرنا هذا، وأقبلوا يمشون حتى أتوه، فأحدقوا به، ثم نشروا فقرأوا التوراة، فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر، فوقع الخاتم منه في البحر، فابتلعه حوت من حيتان البحر.
وأقبل سليمان في حالته التي كان فيها حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع، فاستطعمه من صيدهم، فأعطاه سمكتين، فقام إلى شط البحر، فشق بطونهما، فوجد خاتمه في بطن إحداهما، فأخذه فلبسه، فرد الله عليه بهاءه وملكه. فأرسل إلى الشيطان، فجيء به فأمر به، فجعل في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه، وأقفل عليه بقفل، وختم عليه بخاتمه، ثم أمر به فألقي في البحر. فهو فيه حتى تقوم الساعة، وكان اسمه حبقيق.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: {ثم أناب} قال: دخل سليمان على امرأة تبيع السمك، فاشترى منها سمكة، فشق بطنها، فوجد خاتمه، فجعل لا يمر على شجرة، ولا على شيء إلا سجد له، حتى أتى ملكه وأهله. فذلك قوله: {ثم أناب} يقول: ثم رجع.